لماذا ثناء ودعاء

الحَمْدُ للّه القائمُ بذاته، الدائمُ بصفاته ، المعروفُ بعظيم آياته ، الموصوفُ بكريم هباته ، عّم جودُه  أهل أرضه وسماواته ،وأقَرَّ بِوحدانيته كلُّ ناطقٍ وصامتٍ من مخــــلوقاته. والصلاة والسلام على نبيِّنا وسيدنا محمد عبد الله ورسوله، سيد الأمجاد وأفضل العبّاد وأصدق الزهاد، وعلى آله وصحبه الآساد :
أحبتي في الله إن الدعاء شأنه عظيم . هو سلا ح المؤمن ، سلاح صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين . هو أنفع مااستُدِرَّت به صنوف النعم واسْتُدْرِئَتْ به صنوف النقم . هو السلاح الجالب لكل المكاسب، هــــي المناجاة والخطاب الذي به تُقضى الحوائج عندما يتجلَّى رب العزة والجلال إلى عباده في الُثلث الآخر من الليل فيقول سبحانه : هل من داع فأستجيـــــب له ، هل من سائـــل فأعطيه ، هل من مستغفر فأغفر له . ومن أصدق من الله قيــــلا .
إن الدعاء نعمة من نـِعَمِ الله يـمُنّ بها على من يشاء من عباد . لمــن ذَكَرَ الله في سره وجهره ، لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ، لمن أرْعَى سمعه إلى كتاب الله العظـــــــيم ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شِهيد ) [ 37 ق ] . عندها يتذكر العبد ، فيلُح في الطلب ويرغب في المسألة ويعزم ويعُْظِم الرغبة و يُلح  مراراّ وتكـــراراّ و يتلذَّذ في نجواه  مع خالقه ومولاه . و يعلم علم اليقين أن  ملك الملوك يسمع دعاءه  وينظر إليه ويستحضر ويستشعر عظمة من يدعو ويناجي فهذا من الإحسان . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ) [ أخرجه الترمذي ] .
وعنه أيضا  في حديث عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدعو  بإثم أو قطيعة رحم ) . قال رجل من القوم ( إذا نُكثر قال الله أكثر) وعلى المسلم أن يدعوا الله في جميع أحواله في فقره وغناه في صحته ومرضه في حله وترحــــاله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكروب ؛ فليـــكثر من الدعاء في الرخاء ) [ أخرجه الترمذي والحاكم وحسّنه الألبانـــــي ].
ولا ينبغي للمسلم أن يتعجل  أو يستعجل  لما رواه مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه أن  النبي صلى الله عليه وسلم قال :( يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل،يقول دعوت  فلم يُستجب لي ) . كما لا ينبغي له الإعراض عن الدعاء لِقلة إقباله على الله وكَثْرَةِ معاصيه.
وهـــنا فائــدة لطيفـــة لسفيـــان بن عــــيينة حيــث قال ( لا يمنعنَّ أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه ) فإن الله عـــزوجل أجاب دعاء إبليس إذ قال ( قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فإنكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) [ 37 الأعراف ].
وقد حدثني بعض الأهل والأصحاب عن عدم إحتواء كُتَيِّب " ثناء ودعاء " على أذكار الصباح والمساء أو الرقية الشرعية أو ما يجب قوله عند زيارة المريض أو دخول السوق الخ..........
فأقول مستعينًا بالله:
1. ذهــب أهل الفضل بالفضل والــخير، فلا تــكادُ تجد بيتًا من بِيُوت الله إلا وبه من المطوِّيات والنشرات القصيرة ما يفي بهذا ويزيد.ناهيك عن المكتبات والمحاضرات والندوات الإسلامية والتي تُوزع فيها هذه الأذكار النبوية العظيمة . وكذلك تزخـــر بالعــديد مــن الكتــيبات التي تحوي على الأدعية من القرآن الكــريم والسنة النبوية و بها توضيح لشـــأن الدعاء وفـضله .
2. عند  تصفح  وقراءة البعض منها وجدت أنها أشارت  إلى ضرورة  أن يبدأ الدعاء بالثناء على الحق سبحانه وتعالى ولكنها لا تُورد منها إلا القليل . والبعض منها يُورد شيئًا من المحامد والثناء ولكن بدون سرد للدعاء.فحدثتني نفسي : لِمَ لا يكون هنــاك كُتيب صغير يجمع هذا الفضل وهذا الفضل بحيث يسهل على الفرد المــسلم بمجــــرد قراءته بدءًا يقرعُ أبواب السماء بحُسن الثناء على الله سبحانه وتعالى. فألهمني المولى سابغ النعم المنان،المتفضِل بالإحسان والنوال في أن أهتــدي بفــــضله وكرمه وإحسانه: بجــــمع  بعــــضاً مـن المحامد والــثناء "لا أُحـــصي ثنــاءً عــليه"فــي دفة واحــدة بدأت فيـها بــذكر الآيات الـتي تـُرغِّب في الدعاء. ثــُّم مـناجاته بأسـمائه الحــسنى ثم التعرض والثناء لله الحي القيوم  بما مدح به نفسه تبارك وتعالى في كتابه العظيم و بما ثبت عن رسول اللهصلى الله عليه وسلم من التوحيد والتهليل والتكبير  والــتسبيح  المُضــاعف  والله يضاعــف لمن يشاء  و يعقبها الصلاة والسلام على خير الأنام سيدِّنا وحبيبنا ونبِيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم .
ثُّم الشروع في الدعاء لما فيه خير الدنيا والآخرة ثم اختِم الدعاء بالصلاة على الحبيب كُلُّ هذا يكون بين دَفَّتَيْ كُتيب صغير بحيْث لا يحتاج القارئ في أن يبحث بِم يبدأ به دُعَــاءَهُ و كيف يُثني ويُمجِّد مولاه، أو ما هي صِيغ الحمد والتكبير و ماشابه هذا ، بل يجــد هذا كُلُّه مجموع أمامه.ولِذا يبدأ مُسترسلاً في دعائه بِمناجاة رب العزة والجلال بأســمائه الحسنى وتمــــجيده في صفاته العُلى وتــــوحيده في العــــبادة . والـــتذلل والخضوع والتــَّرَقُقِ في طلب المسألة بحُسن الثــناء وجمال النداء وإخلاص الــدعاء وحــضور الــقلب وَعَظـــَمَةَ من يدعو ويُناجي . فلا يقرأ مثلاً " الأسماء الحسنى" بل يفطِن إلى مــكنونها ومــدلولاتها وتكون من صُلب دعائه فيقول : اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم الملك .  فتمَّ لي ذلك بحمد الله وتوفيقه في غُرة شهر رجب لعام1427هـ. في الــمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وقد أعانني في هذا المجموع المُبــــارك والذي أســـــميته " ثناء ودعاء " زوجتي وابني نهار وابنتي زها جزاهم الله خير الجزاء.
و عوْدٌ على بدء في مجمـوع الكتيب فأقول بأنني عمـِلت جاهداً في أن يكون من الأدعية النبوية المباركة المأثورة وما ورد عن عباد الله الصالحين ، ليكون شــاملاً كامــلاً لما يَخْتَلِجُُ في صــدر المؤمن  وقد بَسَطـــُّتُ الدعاء وطوَّلتُه وأعدُّتُه ونوَّعت جُمَله ليكون أبلغ في العبودية وإظـهار الفقر والتَّذَلُلِ والحاجة والضراعة إلى الله وبهذا يكون القـــُرب من الله ، فكلما أكْثــَرَت السؤال وكرّرت الطلب ورفعت الأكف : كان أعظم عند الله وأحب إليه والله سبحانه وتعالى كلــما سألــته ؛ كنت اقرب إليه وأحب إلـيه وكلما ألححـــت عــليه في الــدعاء ؛ احــبَّك ومن لم يسأله؛ يغضب عليه:
فــالله يغـــضَبُ إن تــركت سؤالــه ***وبــَنيَّ آدم حــين يُســألُ يغْضــَبَُُ
وكــان منهجـــي فـي هـذا  وإعتـــمادي وحُجــَّتِي وبــُرْهَانِي وســـَنَدِي
[أ]  كـــتاب الله وسنة المــــصطفى صلى الله عليه وسلم
- ( وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [ 60 غافـــــر ]
- ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ ) [ 77 الفرقان ]
-  ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها ) [ 180 الأعراف ]
[ب] . حديث الشفاعة في صحيح الترمذي باب ما جاء في الشفاعة عن ابي هريرة رضي الله عنه قال :أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرُفع إليه الذراع فأكله وكانت تُعجبه فنَهَشَ منها نَهْشَةً، ثم قال: أنا سَيُّدُ الناس يوم القيامة، هل تدرون لم ذاك ؟
يجمع الله الناس : الأوّلين والآخرين في صعيد واحد .. الى آخر الحديث.وخـلاصة الحديــث أن الناس تشــكي هــول المــوقف فيذهبــوا إلـى آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى صلوات ربي وسلامه عليهم جميعاً حتى يأتون محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون : يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول صلى الله عليه وسلم فأنطلق فآتي تحت العرش، فأَخِرُّ ساجداً لربي، ثُمَّ يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً، لم يفتحه على احد من قبلي ،ثُمَّ يقال : يا محمد ارفع رأسك ،سل تُعطه، واشـفع تُشفــَّعْ .و الحديث في [ صحيح البخاري ومسلم وفي سنن النسائي وابن ماجه ].
  [ ج ]. عن أنس رضي الله عنه . أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بأعرابي وهو يدعو في صلاته وهو يقول ( يا من لاتراه العيون  ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ) وهو موجود في دُعاء الوالدين في الكـــُتيب .  فوكـــَّل رســول الله صلى الله عليه وسلم بالأعــرابي رجلاً فقال : ( إذا صلى فآتني به. فـلمَّا صـلى أتاه ، وكـان قد أُهـدِي لرسـول الله صلى الله عليه وسلم ذهـب من بعـض المعادن فلمَّا أتى الأعرابي وَهَبَ له الذهب، وقال :هل تدري لما وهبتُ لك الذهب ؟ قال : للرَّحِم الذي بيننا وبينك يا رسول الله قال :إن للرَّحِم حقًا ولكن وهَـبْتُ لك الـذهب لحُـسن ثـنائك على الله تعالى ) . [رواه الطبراني]
[ د ]. حديث فُضالة بن عبيد ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعـو في صلاته لم يُمـجّد الله تعالى ولم يُصل على النبي، فقال ( عجَّل هذا ). ثم دعــــاه فقـــــال له أو لغيره إذا صــــلى أحدكــــم ( أي دعا ) فليبدأ بتمجيد ربه عزوجل ، والثناء عليه ، ثم يُصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعــــو بَــعْدُ بمـــا يشـــاء ) [رواه ابو داود والنسائي والترمذي].
[ هـ ]. حديث جابـر بن عبدالله رضي الله عـنه قال :قال رســول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا إله إلا الله أفضل الذكر، وهي أفضل الحسنات ) [صحيح الترمذي ومسند الإمام احمد]
وأخرجه أيضا ابـن ماجـه مـن حـديثه عــن الــنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( فضـل الذكر:لا إله إلا الله، وأفـضل الدعاء: الحمد لله ) ).
[ و ] . حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ممَّا تذكرون من جلال الله :سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، يتعطَّفن حول العرش لهُن دوِيٌ كدوِيٌ النحل تُذكِّر بصاحبها . أ ما يُحِبُّ أحدكم أن لا يزال مِمَّن يُذكَّر به ِ) [ أخرجه ابن ماجه،والحاكم في المستدرك ].
[ ز ] . إنَّ المُـــتدبر في كتــاب الله "القرآن العظــيم" يجــد أن سورة الفاتـحة وهــي أول سـور القرآن الكريم وِفقًا للترتيب المعروف في المصاحف الشريفة يَجِدْ أنها بدأت بــ(الحمد لله) فالله سبحانه وتعالى مدح نفـسه في كتابه جــلَّ في عُلاه وهــناك خــمس ســـور تبدأبـــــ " الحمـدلله " وهـي (الـــفـاتـحـة - الأنـعـام - الـكهـف - سـبـأ - فـاطـر).
[ ح ] . سبع سور تبدأ بتسبيح الـخالق جـلَّ في عُلاه "سبَّح ، يُسـبح ، سبحــان " وهي (الإسراء،الأعلى التغابن الجــمعة ، الــصَّف ، الحــشر ،الحـديد )أول كتـاب الله  سورة  الفاتحة بدأ بكلمة ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) وبعد الانتهاء من فصل القضاء بين الخلق . ماذا يقول أهل الإيمان وأهل الصلاح . ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) [ 75الزمر ].
اللهم اجعلنا مَمَّنْ يُكثر من قولها وترديدها والعمل بحقَّها في الدنيا ويُثاب عليها في الآخرة .إنه سميعٌ،قريبٌ جوادُ كريمٌ. وهذا غيض من فيض والبسط في هذا يطول وإنمَّا  أوردته للإستئناس  والتذكير .
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيما (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ) [ 44 الأحزاب ]
أسأل الله سبحانه وتعالى: أن يُعظم الأجر ويتقبله بقبول حسن وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم ويجعله في صحائف الحسنات لوالديَّ يرحمهما الله ويعُمنا معهما بفضله وكرمه وجوده وإحسانه ومنِّه. إنــه وليُّ ذلــك والقــادر علــيه. هـــو مــولانـــا
نعم المولى ونعم النصير.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
1 2 3 4 567 8 9 10 11 12 13 14 15 16